Thanks Alma. Iam not sure at the moment about the translation... Let me continue this research (Quest) and we'll see:)
21- لا بد من التوكيد على الطابع النسبي للانفصال بين الجانب النفسي الشعوري (مجرّد الاندفاع تجاه المحبوب) وبين الرغبة الجنسية فيه، لأننا رغم إشارتنا لظاهرة الحب العذري فإننا في حالات لعلها الأكثر نرى تلاحما بين هذين الجانبين.
22- حتى الآن عالجنا ظاهرة الحب باعتباره رد فعل نفسيا وانفعالا ذاتيا هو في جوهره استعداد متواصل واندفاع نحو المحبوب. وكذلك أشرنا لبعض الجوانب الاجتماعية فيه من حيث هي تحدّد أشكالا لذلك الشعور النفسي. لكننا حتى الآن لم نتعرض إلا لماما للعلاقة بين المتحابين وتأثيرها. والحقيقة أن هذه العلاقة ربما كانت العامل الحاسم في تحديد البعد النفسي عند المحبين وتطوّره.
23- قبل أن نتعرّف أولا على بعض مظاهر أو ظواهر هذه العلاقة، كما تتجلى في ظاهرتي "التجاهل" و"الغيرة"، لنذكر بأمر أساسي كيما يكون تصورنا حقيقيا وليس مثاليا. إن عنف ذلك الشعور المسمى بالحب وحدّته يختلف بالضرورة من شخص لآخر، فهو ليس على مسطرة ووتيرة واحدة. وإننا وإن قلنا إنه يسدّ كامل البناء النفسي معه فإن هذا أيضا سيختلف من شخص لآخر... أم نقل إنع رد فعل ذاتي؟! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا الشعور لا بد أن يخضع لقانون التغيّر في الكون بطبيعة الحال، وبالتالي لا ريب أن الحب يقوى ويضعف، الخ... ومن جهة ثالثة علينا أن لا ننسى وجها مهما في الحب وهو "الأنا"، فكما أشرنا سابقا فإن هناك سؤالا أساسيا عند المحبين هو: "هل يحبني الطرف الآخر أم لا؟" و"كم يحبني؟ أو إلى أية درجة؟". نحن هنا أمام جانبين دائمي التوتر وهما اندفاعي نحو الطرف الآخر ومدى شعوري بحب الطرف الآخر لي أي بكوني محبوبا... إن تغلّب اندفاعي نحو الطرف الآخر هو ما ينتج عنه نوع من الاستلاب المرضي نوعا ما، في حين أن تغلب مدى شعوري بكوني أنا المحبوب ينتج عنه تلك الأثرة المرضيّة نوعا ما. ثمة بالطبع حالة أخرى يتحقق فيها نوع من التوازن الديناميكي بين الجانبين.
24- ضمن هذا الفهم يمكننا أن نفهم تجاهل محبّ لمحبوبه. فالتجاهل سلوك يعني تناقصا في الاندفاع نحو المحبوب إلى حد يجعله قريبا من الصفر أو يكاد. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان الجانب الآخر من شعور الحب "وهو أنني أنا المحبوب" قد تفوق على اندفاعي أنا نحو محبوبي. وهذا التفوق في شعوري بأنني أنا المحبوب يحدث أثرا عجيبا بعض الشيء هو إعادة تدخل "العقل" تجاه إلزام الذات بعدم الاستجابة لمتطلبات كوني أحبه من اندفاعي نحوه، والسؤال عنه، والاستجابة له، الخ... أما هدف التجاهل فقد يختلف باختلاف الحالة؛ إذ قد يخفي رغبة في معرفة درجة حب الطرف الآخر لي.
بل إن ذلك يجبرنا على التذكير بجوهر الحب، وهو أن نشعر بأننا محبوبون، لكن الغريب في الأمر هو أن هذا الشعور يتخذ شكل التعلق بشخص آخر (المحبوب)، فإذا طغى هذا الشكل بتنا أمام ظاهرة الاستلاب التي تحدثنا عنها، وإذا لم يطغ هذا الشكل برزت إمكانية ظاهرة مثل ظاهرة تجاهل المحبوب.
25- لعل التناقض بين جوهر الحب (الرغبة في أن أكون أنا المحبوب) وبين شكله (التعلق بشخص آخر) يصل مداه في ظاهرة معروفة جيدا عند المحبين، هي ظاهرة الغيرة. بل إن هذه الظاهرة تتسم بكونها عقدة من التناقضات المجتمعة في كل واحد. فهناك من ناحية التناقض الذي قد ينجم عندما ينعدم التوافق بين الجوهر والشكل في الحب نفسه (أي بين الاندفاع النابع من الذات والصد من المحبوب)، ثم هناك التناقض بين هذا الشعور كشعور وموقف وبين المحاكمة العقلية لسلوك المحبوب عندما يحب (هو أو هي) شخصا آخر غيري، وبخاصة إذا كان محبوب حبيبي لا يحبه. وهناك تناقض بين المحبوب كقيمة وكيان مستقل يستحق الحب وبين إرادة كونه "ملكا" لي اي محبوبي أنا. في الغيرة إعادة طرح لأهمية الأنا بكل حدّيّته، والشعور بأنني أنا وحدي من يجب أن يحظى بحبّ محبوبي. هذه الأنانية تذكّرنا بمجمل السلوك الطفولي في الاستئثار بالأشياء والأشخاص، مما يؤكد تحليلنا السابق عن كون الحب استجابة سلوكية لاواعية تذكرنا أو تحاول استعادة دفء وحنان وألفة ما ولكن في سياق نضوج جسدي.
26- في الغيرة هناك غيرة من الآخر إذا كان المحبوب يحبه أو يبدي اهتماما به، وهناك غيرة على المحبوب إذا أبدى الآخر ودّا واهتما بالمحبوب. وفي الحالتين ثمة مراقبة دقيقة لسلوك المحبوب وردود أفعاله تجاه الآخر وتجاهي من حيث وجود رغبة عارمة في أن يتصرّف المحبوب كما لو كان لا يرى غيري في الوجود ليمنحه هذا الشعور ويبدي اهتماما به. وهو أمر، إذا استفحل، قد يؤدي إلى سلوكات غريبة عجيبة كحبس المحبوب، وقد تصل حد قتله!!
27- ثمة إذن تفحص ومراقبة دائمة من قبل المحب (إذا أتاح الظرف ذلك) لمدى اهتمام محبوبي بي (إذا كان أساسا يبادلني ذلك الشعور). وفي الحالات التي يمكن أن توجد فيها صلة ولقاءات بين المتحابين يرصد كل منهما الآخر إذا كان منسوب الاهتمام به يتزايد أو يضعف أو يبقى ثابتا.
28- هذه المراقبة تحدث في الغالب الأعم عندما يلتقي المحبان، لكن جوهرها هو المعرفة، وبالتالي فثمة استعداد وانتباه لهذه المعرفة أيا كان مصدرها، سواء أكانت نابعة من الملاحظة الذاتية أم وصلت الآخبار من "آخرين" هم بمثابة رسل وحسّاد، وجواسيس أيضا و"عزّال". وأيا كان الأمر، فإن المهم هو كيف يتطوّر شعور الحب ويتلوّن بمقتضى تلك المعرفة، وكيف ينعكس في مارسات محددة، مهما كانت صغيرة، وكيف تتنشط المخيلة أيضا. ولعلنا بمجرد طرح هذه الأسئلة نلمس كيف أن شعور الحب يؤثر فعلا في مجمل التركيبة النفسية ويشدها إليه، بل ومجمل البنية الإدراكية عند الفرد.
والحقيقة أن المخيلة تلعب دورا أساسيا في ظاهرة الحب إلى درجة لعلها لم تحظ بالأهمية التي تستحقها، بل من اللافت كيف تتعاضد الذاكرة والمخيلة معا في هذه الظاهرة. إن الأمر اللافت في المخيلة والذاكرة كجهازين نفسيين وكجهازي "إدراك" هو "درجة التجسيد السريعة" للصور البصرية-السمعية، ولهذا يمكن بهذين الجهازين تشكيا عوالم سريعة بالغة التعقيد والتطور قد تحل محل العالم الواقعي الفعلي. إن سرعة تشكل هذه العوالم وتغيرها وتتابعها يفسّر ذلك الانتقال بالنسبة للمحب بين ظواهر مألوفة في عالم الحب، كالشعور بالألم والفرح والسعادة والكره، فكل حركة وكلمة وإيماءة ترتبط بشعور، ونحن هنا أمام مشاعر تترى وتخيّل وتذكّر.... نحن في عالم الحلم تقريبا، مما لا يسمح كثيرا لعالم العقل والتحليل المنطقي أن يكون له كبير أثر في هذه الظاهرة، بل لعله حينما يتدخّل، فإنما يتمّ ذلك تحت إشراف المخيّلة والذاكرة...
30- في هذا النشاط المرتفع للذاكرة والتخيّل حين يفلت من عقاله (أي عقله) ويحكمه منطقه الخاص، نكون أمام حالة أقرب إلى الجنون. هل يمكننا إذاً، أن نرى الصدقية في التوصيفات الشعبية للحب عن كونه جنونا؟
31- وعليه، لربما يمكننا أن نفهم أيضا لماذا كان الحب قاتلا!
32- لا بد من التأكيد الدائم على أن الحب شعور أو عاطفة أو أمر نفسي وليس عملية إدراكية في الأساس. ولذلك فإنه وإن بدا أن سؤالا مثل: "هل يحبني الطرف الآخر؟" هو سؤال معرفي، فإنه ليس كذلك في حقيقته، أي ليس الهدف منه هو المعرفة، كمعرفة حاصل ضرب خمسة في ستة، بل الهدف منه هو تحقيق اطمئنان، وخفض توتر، وإزالة قلق. ولذلك يمكننا فهم لماذا يتم إعادة طرح سؤال "هل يحبني" أو "ولكن لماذا لا يحبني"، فرغم أن الشخص قد يكون تلقى إجابة عن هذه الأسئلة، غلا أنها قد لا تكون إجابة مرضية، وبالتالي ينعدم الاطمئنان ويبقى التوتر ويستمر القلق مما يعيد طرح السؤال في نوع من الحركة التكرارية.
33- وهذا يقودنا إلى "حالة نفسية" في ظاهرة الحب، هي "حالة الحيرة". وهي وإن كانت تتمثل في كونها أمرا معرفيا، لكنها في الحقيقة ناتج نفسي في جوهره مشفوع بالرغبة في أن يكون المحب يحبنا، وتخوّف من أن لا يكون ذلك حقيقيّا.